أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
29
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
العرب ، وما أيدته الكتابات الصخرية نفسها فيما ترويه عن التقادم العظيمة من الذهب والفضة ونفائس الأحجار ، وقد وجد كثير من المسكوكات السبئية ومن الحلى تؤيد أيضا روايات الرواة من كل قبيل اه « 1 » . وقد علل بعض الباحثين وجود المدنيات بعلل شتى ، منها طيب المناخ ، وكثرة المياه أو المعادن ، ومنهم من يعزوها إلى غرائز اختصت بها بعض الأجناس البشرية ، وصفات جادت بها الطبيعة على بعض الشعوب دون بعض ، وكل ذلك متوفر في هذه البلاد وأهليها . فمن الذي يجهل ذكاء أهل اليمن الفطري ، ونبوغهم العجيب ونشاطهم ، وما في طباعهم من الوجدان ، ونفوسهم من الحماسة ، وتلك بلا شك من أكبر عوامل النبوغ والتقدم . وفي تاريخهم الغابر كنوز لا تقدر بثمن محفوفة بسياج جلالة العلم ، وطرازه القوة ، وأسراره الذكاء والفطنة ، فكل حجر أقيم ، وكل تمثال نحت ، وكل نقش خلد ، هو صفحة الخلود ، أما من غمرت عبقريتهم أتربة النسيان ، وطمست معالم خلودهم حوادث الأيام ، فلم تتصل بسمع التاريخ فهم أكثر . وأما خصب التربة ، وبركة الأرض ، وكثرة الإنبات ، وجودة الهواء ، واعتدال الطقس فأشهر من نار على علم ، قال بعض المؤرخين « 2 » : إن مأرب كانت في بهاء ، مشاهدها الطبيعية على شاكلة مدينة دمشق ، يجري في وسطها نهر عظيم تجتمع إليه المياه المنحدرة من أعالي الجبال ، فيتألف من هذه السيول الجائشة بحر شديد الاغتلام ، يفيض مرة في العام على المراعي والحقول فلا يذر فيها حسنا ، ولا يستبقي من روائعها روعة ، وبذلك أصبحت مرتادا للملوك والأمراء ، يرتادونه في فصل الصيف القائظ للترفيه عن أنفسهم ، وفي قوله تعالى : ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ما لا يحتاج إلى مزيد .
--> ( 1 ) تعليقات الأمير شكيب على ابن خلدون . ( 2 ) هو الأستاذ المعاصر معروف الارناؤود في كتابه سيد قريش .